عبد الملك الجويني

357

نهاية المطلب في دراية المذهب

وقد يعترض في ذلك أن اللبن إذا مُخض ومُيّز الزُّبد منه ، فالباقي مَخيض ، فلو أمكن مثل ذلك في لبن الآدميات ، فكل جزء يصل إلى الباطن تتعلق الحرمة به . هذا قولنا في التغايير التي تلحق اللبن . 10011 - فأما إذا خلط اللبن بغيره ، فنذكر التفصيل في خلطه بالماء ، ثم نبيّن خلطَه بغيره ، فإن خُلطَ بالماء ، لم يَخْلُ : إما أن يكون الماء قليلاً ، أو يكون بالغاً حد الكثرة . فإن كان في حدّ القِلة ، واختلط اللبن به ، لم يخلُ : إما أن يكون اللبن غالباً ، أو مغلوباً . فإن كان غالباً ، فما وصل منه إلى الجوف المعتبر ، فهو مثبت للحرمة . وإن كان مغلوباً - وتصوُّرُ ذلك منه إذا كان لا يظهر من صفات اللبن شيء لا اللون ، ولا الطّعم ولا الرائحة - فهل تتعلق حرمة الرضاع بإيصاله إلى الجوف ؟ فعلى قولين : أظهرهما - أن الحرمة تتعلق به . والقول الثاني - أن الحرمة لا تتعلق به ، وهو مذهب أبي حنيفة ( 1 ) . توجيه القولين : من قال : تتعلق الحرمة به احتج بأن اللبن في حكم المستهلَك ، فكأنْ لا لبن ، والدليل عليه أن التوضُّؤ بهذا الماء جائز ، وإن امتنع التوضؤ باللبن . والقول الثاني - أن الحرمة تتعلق به ؛ فإن اللبن واصلٌ إلى الجوف ، وهو المطلوب ، وإذا تحقق وصوله ، وجب تعلق الحرمة به . ويقرب مأخذ القولين من أصلٍ ذكرناه في أحكام المياه ، وهو أن المقدار [ الذي ] ( 2 ) لا يسعْ وضوءاً من الماء إذا كمل بالماوَرْد وهو مغلوب بالماء ، ففي جواز التوضؤ به خلاف . ووجهُ التقريب لائح ، فإنا في وجهٍ نقول : المغلوب كالمعدوم ، وفي وجه نُثبت

--> ( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 222 ، فتح القدير : 3 / 315 . ( 2 ) زيادة من المحقق .